الكلمة الترحيبية لمدير مختبر تحليل الخطاب الأستاذ الدكتور زهير عبيدات في افتتاح المختبر

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله العربي الأمين،
عطوفةَ الأستاذ رئيس الجامعة ، أعضاءَ الهيئةِ الاستشارية من الأردن، الزملاء عمداءَ الكليات، الزملاء أعضاءَ هيئة التدريس والطلبة، أيها الحفل الكريم، 
- فيسعدني أن أرحّب بكم في هذه الظهيرة التي نحتفي فيها بولادة مركَزٍ علميّ بحثيّ يُعنى بمقاربة الخطاب، باعتباره وسيلةَ تعبيرٍ وصاحبَ سلطةٍ ما.وقد أردنا له أن يتجاوز حقل "السرديات" كما في غيره من المختبرات، وأن يتجاوز ما يعبَّر عنه باللغة،  ليشمل الممارسات وأشكالَ التعبير الأخرى، باعتبار الواقع نصّاً متحرّكاً.وقد أعدّت"اللجنةُ المؤسّسةُ"التعليماتِ التي تنظّم عمله، واختارت"هيئة استشارية"من كبار العلماء والمفكرين والأكاديميين ومن المهتمين بالثقافة العربية والإسلامية في تخصصات مختلفة ومن جامعات عربية وأجنبية.
- ومّما دفعنا إلى أن نطلقَ عليه اسمَ (مختبر) هو سعيُنا إلى أن نقرّب النقدَ من العلم باعتباره منجزاً عقلياً، وليس خواطرَ وأهواء.كما اختارت اللجنةُ"خطابَ الكراهيّة والعنف"محوراً تنعقد حوله الدراساتُ في العامين القادمين، يقدّمُ خطابَ التعدّدِ والاختلاف والمحبّة والسلام، بعد أن صارت الكراهيّةُ ثقافةً وصناعة.
- انطلقت فكرةُ المختبر من الحاجة إلى قراءةٍ ناقدةٍ تكتشفُ ما يثوي في النصوص والممارسات من رؤى وأفكارٍ وأنساق، وأن تفكّكَ بعضَ المفهومات. وقد تضافرت عواملُ شجّعت على إنشائه، أقف عند ثلاثِ خطيئاتٍ منها:

1-الخطيئةُ على اللغة:
فالحرب التي تدور رحاها في ديارنا وُلدت من نصوصٍ مكتوبةٍ باللغة دفعتْ بها إلى دائرة الصراع الإنساني، صيّرتها فعلاً لا ظاهرةً ساكنة.وكان أن احتجبت الكراهيةُ وراء بلاغةٍ وصيغٍ لغويّة جماليّة، تكثّفت على شكل أمثالٍ عكست أنساقاً ثقافية، مما ضاعف مهمةَ الناقد تفكيكاً وبناء.وأخشى أن يترسّخ"أدبُ الرعب والخوف"في ثقافتنا بعد أن طالعتنا وتطالعنا مؤلفاتٌ جريئةٌ تحمل عنواناتٍ تمجّدُ الكراهيةَ وتحثّ عليها وتفرحُ بها.لقد بلغ التطرّفُ حدّاً صارت البشريةُ فيه تمرّ في أقسى امتحانٍ لها لتدخلَ مرحلةَ "ما بعد الإنسان".
    لذا بات علينا أن ننقّيَ مدوّنتَنا الثقافيةَ ممّا فيها من مقولاتٍ ومحمولاتٍ تمجّد الكراهية، منذ أن قسَمنا الشعرَ إلى هجاء ومدح، ومنذ عقَدنا مسامراتنا حول"النقائض"، ومنذ طربنا على أقوالٍ أخذتنا بها النشوةُ، من مثل"لا تشتر العبدَ إلاّ والعصا معه"ومثل"فغضّ الطرفَ إنك من نمير"ومثل "وما أنا إلاّ من غزيّة إن غزتْ غزوتُ..." وكثيرٌ غيرُها.
2-أما الخطيئة الثانية فتكمن في الإفراط في(تأويل) سرديّاتٍ ونصوصٍ تاريخيّةٍ ومقولاتٍ وآراءَ ومواقفَ وتحميلِها أكثرَ مما تحتمل بقسرِ أعناقِها، فصرنا حبيسي تلك التأويلات، فالحربُ في ديارنا منذُ البسوسِ والزير سالم، مروراً بالمذبحة الكبرى، حتى يوم الناس هذا، قامت على الخوف والكره والثأر، توارت خلفَ جماليّاتِ اللغة والبلاغة.ومن هنا تبرزُ أهميةُ"عقلنةِ التأويل" وضرورةِ الاحتكامِ إلى ضوابطَ علميةٍ وأخلاقيةٍ في الأنظارِ المختلفة، وأهميةِ إعادةِ بناءِ المفاهيمِ والخطاباتِ والمقدّس.والخلاصةُ، أنّ اصطراعَ التأويلات يوازيه اصطراعٌ في حركة التاريخ، وأنّ الاصطراعَ حول النص يوازيه اصطراعٌ في ساحة الحرب، وهكذا صار النصّ موقداً، مما يدفعني إلى القول: إنّ حربنا المعاصرة حربٌ أساسُها لغويّ، ميدانها نصٌ كُتب باللغة.
3-أما الخطيئة الثالثة فهي الجناية على (العقل)، حين حاربنا الفلسفةَ، وأحرقنا كتبَ الفلاسفة، وما أدى إليه من أزمةٍ في العقل العربي. فحين غاب العقلُ، دمّرنا بلادَنا بكفاءةٍ عالية، وحين غاب العقلُ انهزم الإنسانُ فينا، وحين غاب العقلُ خرجْنا من التاريخ وانزوى المثقف وتخلّى عن مسؤوليته ليترك الدهماءَ تصنعُ التاريخَ وتوجهُه، وحين غاب العقل تعطّل فينا عقلُ ابن رشد، ليكون صالحاً في بلاد الغرب. وبالتالي، فإنّ كوارثَ الواقع نتيجةُ تأويلاتٍ وقراءاتٍ متطرفةٍ فقدت العقلانيةَ والموضوعيةَ وصبغتْ حياتَنا بالتطرّف.
- نؤمنُ، في هذا المختبر، أنّ الحاجةَ ملحّةٌ للنظر النقديّ العلميّ الذي يستندُ إلى نظريةٍ ومنهجٍ ورؤيةٍ وخطواتٍ علميةٍ ونتائجَ تتمخّض من المقدّمات. فنحن بحاجةٍ إلى أنْ نقرأَ الخطابَ الأدبيَّ والسياسيَّ والدينيَّ والإعلاميَّ والتاريخيَّ. ونحاول في المختبر أيضاً، أن نؤسّسَ طريقاً في النظرِ إلى الآخرِ والتعاملِ معه، الذي لم يعدْ يرانا سوى من طاقةِ الصراع ومن ثقبٍ أسود. لقد بات علينا أن نعيشَ الحبَّ والألفةَ والسلام، وأن نقدّمَ ما في ثقافتنا من قيمٍ إنسانيةٍ تنهضُ على التعدّد والاختلافِ والعدالة.
- أملُنا في هذا المختبر أن يكون بيتاً للمشورة يقدّمها للجهاتِ التي تُعنى بصناعةِ القرارات على أسسٍ علمية. ونأمل، أيضاً، أن يكون مظلّة للتعددية الثقافية والدينية والسياسيةـ، وحافزاً لمناهجِنا النقديةِ في البحثِ عن المشتركِ الثقافي والمظلةِ الإنسانية التي تجمع في عباءتها الأغيارَ والمختلفين، ونأملُ أن يبحثَ عن هوياتٍ تجمّع ولا تفكّك، وأن يسعى إلى الكشف عن الوجه الإنسانيّ المخبوء في ثقافتنا بدل وجه الصراع وشيطنة الآخر، وتلك مسؤوليات عظيمة تحتاج إلى تضافر جهودنا جميعاً.
- وتأسيساً على كل ما سبق، فإنني أدعو إلى توسيع مفهوم "النقد الثقافي" ليشملَ المشتركَ الإنساني، لتتساوى "الفرديةُ" مع "الإنسانية" في اهتماماته.
- أكرّر شكري للجامعة ممثلةً برئيسها على حضوره ودعمه الموصول، الذي مكّننا من أن نخرج هذه الفكرة إلى حيّز الوجود، وشكري أيضاً إلى زميليّ في اللجنة المؤسّسة:أ.د.ماجد القرعان، أستاذ اللغويات في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، و أ.د.جمال الشلبي، أستاذ العلوم السياسية، في قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية، و الزميلة الدكتورة خلود العموش، أستاذة اللغويات وتحليل الخطاب في قسم اللغة العربية وآدابها، على جهودهم وروحهم الجامعة وعملهم بروح الفريق، كما أشكر اللجنةَ الاستشاريةَ الذين تفضلوا بقبول انضمامهم إلينا، من الجامعات الأردنية والعربية والأجنبية، وإني على يقين أنهم سيكونون عوناً وبيتَ خبرةٍ وموجّهاً ومساهماً في بناء المختبر.وأشكر كلّ من بذل جهداً من أعضاء هيئة تدريس وطلبة وإداريين ولجان.
- أرجو أن لا يمرّ وقتٌ طويلٌ نحتفي فيه بإشهار مركز آخر نعكف على إعداد نظامه في هذه الأثناء، وهو "مركز دراسات الإرهاب والتطرّف"، وأرجو أن يتحقّق إنشاء "مركز دراسات المستقبل" في "كلية الدراسات الاستراتيجية" الحديثة الإنشاء.