يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ

    أشد من وقع الرصاص رحيلك، وأعظم من أيّ مصيبة قد تمرّ على الفتى، هو الموت يا صديقي يختبرنا بقسوة، ويقسو علينا بوجع وألم لا يطاق، هو الموت يا صديقي يوقف أجمل الضحكات أمام كلية الآداب في يرموك المحبة، وينسينا أجمل الذكريات في يرموك إربد عروس الشمال، ولم يعد للعرس بهجة حين يرحل الرفاق، ويرحل من تحبّ بلا إذن ولا وداع، ويكون الوداع الأخير شريط ذكرى عندما يمرُّ على الفؤاد يدميه، ما أسرع الأيام حين تمضي! بالأمس كنّا معك نخوض غمار انتخابات مجلس طلبة جامعة اليرموك، وما زلتُ أحتفظ ببطاقة تعريفية بالمرشح يوسف عليمات الطالب المهذّب، هو الموت ينزع من بين أضلعنا القلوب الصافية الناصعة، وليس لنا إلا الصمت القاهر المؤلم.

    الحياة محطات يا صديقي الراحل مبكرًا، والحياة صفحات نخطُّ فيها من الومضات واللحظات، والمواقف ما يجعلنا نقف مطولًا ساعة الفقد، فنعرف كم هي قصيرة تلك الليالي الطويلات! وما زلتُ أذكرُ أول يوم أتيتُ إلى الهاشمية لدراسة الماجستير، وعرفتُ أنك فيها زهرة يربها الفؤاد بالهوى والحبّ، فمررتُ إلى مكتبك أسلّم عليك قبل تسعة عشر عاما من اليوم، فوجدتك تكتب، والتقينا لقاء الأحبة، وشجعتني لإتمام مسيرة العلم، وخرجتُ من عندك بأمل يتجاوز امتداد الصحراء، والتي اخضرت بالعلم والبناء والحبّ، وكلّ السنوات التي مضت كأنّها الحلم، وحين دخلتُ الأردنية لدراسة الدكتوراه شاء القدر أن ألقاك في رحاب مكتبتها، وأذكرُ جيدًا ذلك اليوم بكلّ تفاصيله، وأذكر المكتبة التي رأيتَها كأنّها أعظم بناء مبني، أو سوق تجاري في العالم من زحمة الداخلين إليها والقارئين، وبكيتُ، نعم بكيتُ بعدها حينما مرت السنوات وصارت المكتبات جزءًا من أمكنة التصوير للخريجين كجزءٍ من مرافق الجامعة؛ لتبقى الصور رهينة ألبوم الذكريات والاسترجاع.

   المكتبة يا صديقي تئن اليوم من الفقد والجفا كطفل حزين فقد الأمومة قبل الأوان، ونحن اليوم يا يوسف نئن من الفقد والموت العميق، أتدري ما الموت العميق؟ حين تكون في سفر خفي أو رحلة للرقي، أو منهج للتميز، فتغيب دون إتمام الطريق، وترحل دون وداع، ولن ترى عظم المصيبة على وجوه محبيك، ولن ترى هول الفراق الذي خيم فوق صدورنا، وعاث وجعًا في قلوبنا، حتى الدموع تجري لا مستقر لها.

   يوسف أيها الأخ والحبيب، والزميل والرفيق، ما كنتُ أعرف الوجع كما عرفتُه يوم فقدتُ أمي وأختي في شهرين من عام حزني هذا، واليوم أفتقدك أخًا وعزيزًا، فكيف لا أبكي عليك؟ وتجمعنا المحبة والذكريات، وأوراق وكتب وكلمات، وأحلام جميلات، كنتُ أرى فيك عالمًا متميزًا قد شقّ طريقًا وعرة فجعلها سهلة بالإرادة والتصميم، وقلتُ يومًا ما سيكون يوسف جبلًا ما، فتخطفتْك يدُ الموت قبل الأوان، وقتلتْ ذلك الحلم الجميل، وأفسدتْ الأمل الطويل، وخلّفتْ حزنًا كما النيل.

   يا يوسف: لا شيء يعدل الموت، وكلّ المصائب قد تهون على الفتى إلا ضياع الأرض، ومسّ العرض، وموت أمي وفقدك اليوم، فرحيلك اليوم غصة في الحلق لا أدري هل أجد العلاج لها أم أنّها ستسكن مع رفيقاتها بكلّ وفاء ليوم أودّع الدنيا كما ودعتَها أنت؟

يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين عاما من الحبّ لم تكن اليوم فيها، لعلّي أرجع إلى قلبي المكلوم، وأفتنا في رحلة العمر التي لا نملك رسم بدايتها ولا نهايتها، فقد جئنا إليها مرغمين، وكذلك نرحل عنها، وأفتنا كيف سنصنع في وجع السنين، وقهر الحنين الذي سكن الفؤاد بلا إذن؟ قل لي بحق الله ما أجمل بيت قرأتَ؟ كي أعود إليه لأحفظه كما الودّ الذي بيننا، وكالحبّ الذي تزرعه في نفوس طلابك، وفي قلوب زملائك:

ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل * وهل تطيق وداعًا أيها الرجلُ؟

أمّا أنا فأجيب بقوة الوجع: والله لا أطيق جوابًا ولا فراقًا.

    يوسف أيها الحبيب: لقد ابيضتْ العيون حزنًا على فراقك اليوم، وليت لنا أن نعود معًا إلى تلك السنين! وليت لنا أن نفرح ساعة بلقاءٍ بعد الموت؛ لنسلم سلام المحبة الذي مرّ عليه عشرون عامًا أو أقل بقليل، وما بين السلامين حبٌّ عظيمٌ، وودٌّ كريمٌ، سلام ذلك الوجه البشوش:

سلامٌ وإنْ كان السلامُ تحية * فوجهك دون الرد يكفي المسلّما

     غير أن الموت يا صديقي لا يرحم الأحبة، ولا ينصف الأصدقاء حين يمدُّ يده بكلّ قسوة لينزع الفؤاد وما حوى، ويترك في القلب نار الغضا، فإن الحبيب الذي نريد قد مضى، وبقيتُ أسأل الحائرين عن الوفاء، فإذا المنية أقبلتْ خانت الآمال، وانقطع الرجاء، والموت أسرع ما نظنّ وما نرى.

    يوسف أيها الحبيب: ها هو العام الدراسي قد بدأ، واسمك في الجدول الدراسي نور، وكلّ الذين يحبونك لن يجدوك وفق ما كُتبَ وما أُعد، وستكون القاعات حزينة، والممرات حزينة، ومكتبك الجميل أكثر حزنًا، وستكون الأماكن يا صديقي قلعة وجع وألم حين تخلو من المحبين، وإذا عدنا إليها فمن يعيد لنا الرفاق؟

     يوسف أيها الحبيب: ها قد مضيتَ؛ ولكنّ المحبة التي زرعتها في النفوس لن تمضي، بل ستنمو وتكبر مثل النخيل، وسيعرف القادمون معنى أن تزرع حبًّا لا يموت، نعم مضيتَ؛ ولكن إرثك العلمي والأدبيوسف أيها الحبيب: ها قد مضيتَ؛ ولكن المحبة التي زرعتها في النفوس لن تمضي، بل ستنمو وتكبر مثل النخيل، وسيعرف القادمون معنى أن تزرع حبًّا لا يموت، نعم مضيتَ؛ ولكن إرثك العلميّ والأدبيّ لن يمضي، وقد وجدتُ من يبكي عليك من الطلبة بكاءً يعلوه الصياح، وبعضهم خانه الصوتُ فأوجعه النشيجُ، وما ودّعوك، وليتني صفو الحياة لا أودّعك.

    يوسف أيها الحبيب: هو السفر الأخير الغريبُ، حين تمضي ولك في سويداء القلب ألف ألف نبضة حبّ لا يعرفها المارون بلا قلم وورق، أتعرف كيف كان أمسي؟ وكيف أنا اليوم؟ أما الغد فربما لا يأتي عليّ؛ إذ الحياة شقاوة بين لحظتين، والروح بين حرفين، ونحن بين أمرين، فتبًّا لها الدنيا لا تبقي لنا من نحبّ، وتبًّا له الموت يقهرنا كلّ حين، وتبًّا له الكفن الذي زيّن من نحبّ، حتى كرهتُ البياض الذي كنتُ أعشقه، وبقيتُ مثل السيف فردًا.

     أنبكي؟ نعم، وليت البكاء يعيد لنا بسمة في محيّاك، وليت السّواد الذي نرتديه يعيد لنا طلّتك البهية، وليت الحياة لمن نحبّ بلا موت، وليت الموت الذي يقسو علينا يمهلنا لنودع الصحب إذ ارتحلوا إلى البعيد، ولعلّنا نمتع العين التي تبكيهم اليوم بنظرة أخيرة فتستقر في القلب الحزين.

    يوسف أيها العزيز: ها قد رحلتَ، وليتنا نقدر أن نقف سدًّا أمام الرحيل، فنحن ضعفاء، وأمر الله فوق كلّ أمر، والله المستعان على ما كان، فسلام عليك يوم ولدت، ويوم أتيت إلينا صديقًا، ويوم توفيت،  فإنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وإنّا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وصبر جميل.

 

*بقلم: الدكتور ظاهر محمد الزواهرة – مركز اللغات، الجامعة الهاشمية، 6/10/2021م، الأربعاء.

يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ
يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ يوسف أيها الحبيب أفتنا في عشرين سنة من الحبّ