آخر الاخبار
نص كلمة رئيس الجامعة الهاشمية في الملتقى العربي الأول لمكافحة العنف ضد المرأة



بسم الله الرحمن الرحيم

صاحبات المعالي والعطوفة والسعادة،

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،

أيها الحضور الكريم،

أسعد الله أوقاتكم بالخير كله،

وأنا أقف اليوم لأحدثكم عن مسألة شغلتني شخصياً خلال السنوات الثلاث المنصرمة، واستغرقت من وقتي وجهدي شيئاً كثيراً، ناهيكم عن وقت فريقي في الجامعة الهاشمية في المملكة الأردنية الهاشمية. إنها مسألة الموقف من المرأة، وحقوق المرأة، وحضور المرأة، وقضايا التحرش بالنساء.

وفي السنوات الماضية طفت على السطح أحاديث وقصصٌ تفحص أصالة مواقف العالم تجاه النساء، وعندما أقول العالم؛ فإنني لا أستثني أحداً، بناءً على جنسه، بل إنني أتساءل عن منظومة من السلوك تترتب عليها متواليات من التصرفات والأحكام. ولا ريب في أن الإعلام وثورة الاتصالات قد أثرت في بلورة موقف تجاه القضايا في شتى الحقول، ومنها ما أثار حفيظة العالم من قضايا التحرش في مجال السينما، أو تلك القضايا التي طالت بعض الأطباء، والرياضيين، وحتى رجال الدين. وترتبت على ذلك حركات مناهضةٌ لتلك السلوكات المرَضية المشينة، حتى اجتاحت هذه الحركات العالم، متجاوزتً الحدود، والقارات، والأديان، والأجناس، والأعراق. فمن تقرير يقول: إن بلداً فيه إحدى أعرق الديمقراطيات في أوروبا يشهد اعتداءً جنسياً كل 55 ثانية، لتديرَ هيئة الإذاعة البريطانية حلقاتٍ حول التحرش في الأماكن المقدسة عند كل الأديان. ونحن هنا لسنا بصدد تبرئة طرف واتهام آخر على إطلاق الأمر، ولكننا ندين الفعلَ ولا نستطيع أن ندين النوايا.

إننا ندرك خطر تبعات التحرّش من تقييد حرّيات الضحايا، والضحايا المحتملات، ومعاقبتهن، وقبول بعضهنّ بموقع الضحية، ونؤمن بأننا لا يمكن أن نتجاوز ذلك إلا بتسييد القانون من جديد، فذلك سبيل البشرية إلى إحقاق الحق.

أيها الذوات الكرام،

جئت إلى إدارة الجامعة الهاشميّة قبل ست سنوات، وأنا في الأصل طبيب جرّاحُ أورامٍ، عشتُ في بيئة تحتفظُ المرأةُ فيها بمكانةٍ محترمة، ومن تلك الخلفية انطلقتُ في تعاملي مع الحضور النسائي، والقضايا النسوية في جامعتي، وهي بالمناسبة جامعة حكومية، فيها قرابة 30 ألف طالبٍ، يزيدون أحياناً عن ذلك أو ينقصون، وفيها قرابة 800 عضو هيئة تدريس و1000 موظف من الهيئة الإدارية، فاتخذت سياسةً أعزّز فيها الجسمَ النسائي في الجامعة وأمكنهن على كل مستوى، فكثّرت اختيار العميدات في الكليات الأكاديمية، حتى بلغتُ بهن في السنة الماضية نسبة 50 بالمئة من مجلس عمداء الجامعة، وعينت أستاذةً في منصب نائب رئيس الجامعة، وعينت مديرات في وحداتٍ موظفوها جميعهم من الرجال، ورئيساتٍ لدوائر وشعب وأقسام أكاديمية، حتى صار حضور النساء في القيادات الجامعية قريباً من حضور الرجال، بما يتناسب وعددهن في المجموع العام في الجامعة.

كما أنشأنا مركز دراسات المرأة في الجامعة، ليدرس القضايا التي تهم النساء، وليكون بيت خبرة، ومركز استشارات وتدريب في هذا المجال، وليكون عمله في اتجاهين علميّ وميدانيّ، ولتكون كوادره فريدة ومتميزة في كلا الميدانين. كما بلورنا في الجامعة رؤى وخططا علمية لكلية دراسات المرأة لتكون كلية أكاديمية متخصصة في هذا المجال على مستوى البحوث والدراسات العلمية.

ولا أريد أن أستطرد، لأصل إلى معضلةٍ واجهت إدارة الجامعة في مرحلتي، وهي مجموعة من قضايا التحرش، كانت في مجموعها ست قضايا، وكانت هناك ضغوط اجتماعية كثيرة جداً لعدم الخوض في هذا الغمار الصعب، ولكننا آثرنا أن نهزّ المياه الراكدة للمجتمع الجامعي، بل للمجتمع بشكل عامٍ، لأنه لم يكن واضحاً في حربه ضد المتحرشين.

رفضنا أن نَسكت، ورفضنا مفهوم التستر، وأنفذنا القانون، فأخذنا حق الأفراد، وحقّ المجتمع مِن المؤتمَن الذي يخون، وتلك ليست صيغة وصاية أخلاقية على الأفراد، وإنما هي حمايةٌ للأفراد المستضعَفين في إطار المؤسسات، أي إننا كنا نقوّي الصفة المؤسسية، وننفذ القانون.

كان دافعي دائماً، علاوةً على الحفاظ على شرف المجتمع، وعلى شرف مهنة التعليم، أقول: كان دافعي أن أنتصر للمستضعفين، ولمن سرق المجتمعُ صوتَهم لنصونَ لبراليةَ المؤسسة الجامعية، ونضمن حق الناس في حرية الحركة من دون خوف، فلم نهمل شكوى واحدة، واخترتُ فرقاً للتحقيق من خيرة أساتذة الجامعة المشهود لهم بالنزاهة والشرف والخبرة والقدرة على الحكم، وقضى كلُّ فريقٍ مئاتِ الساعات يبحث عن الحقيقة، حتى نجزت توصياتُ هذه اللجان، وأُدين خمسة من ستة متّهمين، فأوقعْنا عليهم أقصى العقوباتِ التي تملِك الجامعةُ إيقاعها في إطار القانون. وجديرٌ بالذكر أن ثلاثةً من الستة كانوا من الجسم التعليمي من الشباب برتبة مدرس، وثلاثة منهم كانوا من الجسم الإداري.

آثرنا أن نخوض معركة النساء، وأن نحمل على عواتقنا المسؤولية التي كلَّفَنا بها المجتمع، ورأيت أن ذلك جزءٌ من الأولويات التي تتقدم على التعليم في بعض الأحيان، ولم ترتجف يدي وأنا أخوض تلك المعمعة، ومورسَتْ عليّ ضغوطٌ اجتماعية، أثقلتْ كاهلي أحياناً، وقصدتْ إلى تخويفي أحياناً، ولكنني كنتُ أستقوي بالحقِّ، وأستقوي بجماهير النساء، وبجماهير الأنقياء الذين يقدّسون حقّ المرأة في أن تعيشَ كما ينبغي لها أن تعيش، وأن تمارِس حضورَها ووجودها، دون خوف أو وجلٍ أو إساءة، وكانت التوقعاتُ ألاّ تَقْعُدَ همّة الشرّ، ولكن الله غالبٌ على أمره، فلا يصحّ إلا الصحيح، لأخلص في النهاية إلى الاعتذار، باسم المجتمع، إلى كل امرأة يساء إليها في هذا العالم، ولئِنْ كانت المجتمعاتُ قد ظلمت النساء أو تظلمهن؛ فإن ذلك لا يجعلنا نَستمرئ الظلم، أو نسكت عن الحق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته




 Date posted : 08-03-2018
 عدد المشاهدات: 246
 
Share this information